لا تظلموا الشيخ الكوراني
دكتور فخري مشكور
اطلعت على جانب من نقد الشيخ الكوراني للمرجع الشهيد السيد الصدر وعلى جوانب من نقود الناقدين للشيخ الكوراني فوجدت نفسي وسط صخب من التراشق الكلامي الذي يفتقر بعضه للمنهج الذي ينبغي على الجميع ان يلتزموا به،لأنه مقياس الاحترام لصاحب الرأي ولو كان على خطأ في رأيه. اما التناوش الشخصي والذي حصل من الطرفين في الغالب فلا يجدي في احقاق حق او ابطال باطل. وأجد نفسي ملزما ان اورد بعض النقاط المنهجية حول هيصة الكوراني الأخيرة :
1- في المنهج العلمي بصورة عامة والاسلامي بصورة خاصة لا يوجد اي مانع من نقد الافكار وتمحيص الآراء ووزن النظريات، فالنقد عملية عقلية دعا اليها القرآن الكريم ووضع الله اول ما وضع قضية وجوده سبحانه على مائدة النقد طالباً من كل العقلاء ان يدلوا بدلوهم (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين)، بل ذهب القران الى أكثر من ذلك حين صرح - وبخطوة منهجية فريدة - بقبول شرك المشرك اذا كان قائما على دليل (ومن يدع مع الله الها آخر لا برهان له به فانما حسابه عند ربه).
فلا اشكال إذن على الشيخ الكوراني في تناول فكر السيد الصدر بالنقد العلمي، وليس في ذلك منقصة للسيد الصدر ولا للشيخ الكوراني.
و انا اشهد ان للشيخ الكوراني اشكالات عديدة على المرجع الشهيد لكنه لم يكن يصرح بها الا في دائرة محدودة ومع اشخاص أفشى بعضهم ما سمع واوقع الشيخ في احراجات. ولا بأس على الشيخ في عدم البوح بآرائه في ظروف، والتصريح بها في ظروف اخرى ... و من يعترض على النظر الى الظروف قبل التصريح بالرأي مدعو لأن يكشف آراءه في الكيانات والشخصيات التي يتعامل معها جملة واحدة لا نجوما.ً والشيخ الكوراني ليس بدعاً من الشيوخ.
2- شط البعض في انتقاد الشيخ الكوراني متجاوزين افكاره الى مواقفه من الامام الخميني قدس سره قبل انتصار الثورة، ومقارنته بموقفه بعد انتصاره، وموقفه من مهدي الهاشمي يوم كان سلطة خفية في الجمهورية الاسلامية، ثم موقفه بعد سقوطه، وموقف من الشيخ المنتظري يوم كان امل الامام والأمة، ثم موقفه منه بعد ذلك، وموقفه من حزب الدعوة يوم كان قياديا فيه، ثم موقفه منه يوم لم تفرزه الانتخابات، وموقفه من السيد الصدر يوم كان نجم المراجع الذين يؤمنون بقيام حكم اسلامي زمن الغيبة عاليا، ثم موقفه منه بعد ان مالت كفة القوم ورجحت الكفةالمقابلة. وذهب بعضهم في تحليل مواقف الشيخ الى اكثر من ذلك حين طبق المنهج الاستقرائي فاستخلص حكماً عاماً لا يمكن وصفه الا بالتكهن الذي قد ينطوي على الظن المنهي عنه شرعاً، او الحكم على النوايا التي لا يعلمها الا الله.
اقول لهؤلاء جميعاً: دعوا الرجل ونواياه والشيخ ومواقفه، وحاكموا قوله، واعملوا بظاهره وكلوا النوايا الى رب البرايا.
وصدرت من منتقدي الشيخ هفوة ما كان ينبغي أن تصدر منهم، فقد أذاعوا عليه نعت السيد الصدر له بالمعمم المنحرف . وما كان ينبغي لهم اشاعة الفاحشة وقطع طريق التوبة ودفع المرء الى الاصرار على الاثم كردة فعل ما اغنانا عنها.
3- من حق الذي بقي حيا ان ينتقد الشهيد، ومن حق القوي ان ينتقد الضعيف، والجبان ان ينتقد الشجاع، والشقي أن ينتقد التقي او بالعكس فلا يجوز ان نحصر النقد في اشخاص لهم مواصفات خاصه ما دامت الموازين العلمية محفوظه والادب والخلق ملتزما به ... ونحن قوم نأخذ الحكمة ولو من فم الجاهل. وقيل لاحدهم: من علمك الادب؟ فقال: سيئ الادب.
4- ولي ملاحظات على منهج سماحة الشيخ في نقد استاذه العملاق اليتيم، استميحه عذراً في طرحها وأرجو ان يتسع لها صدره.
لقد اسهب سماحة الشيخ في التدليل على التقاطية فكر السيد الشهيد الذي قسم مراحل عمل الائمة حسب تصور معين ولد في ذهنه نتيجة خليط من افكار لم توخذ من الفقهاء.
وسؤالي المنهجي هو: اليس العملاق الشهيد فقيهاً؟ ( وانا اعلم ان سماحة الشيخ لا يشك في فقاهة استاذه لانه اخبرني شخصياً في وقت سابق انه يقلده ويؤمن بأعلميته) فما معنى اتهام فقيه بالانحراف عن المنهج الفقهي؟
اتريد ان تقول: ان الاولى بالسيد الشهيد أن ياخذ بمنهج الفقهاء الأخرين ويتبع آراءهم؟
وهل ترى ان هذا يصح من فقيه؟
أم انك تقول أن منهجه مخالف لغالبية الفقهاء؟ اذا كان كذلك فهل ترى وجوب اتباع الاكثرية؟ وانت تعلم ان اتباع الاكثرية عرف ديمقراطي ماخوذ من الغرب لامن فقه اهل بيت العصمة والطهارة الذين جافى السيد الصدر منهجهم بحسب تحليلك.
أم ترى انه قدس سره لم يكن فقيهاً؟
وهناك ملاحظة هامة جدا ومفصلية وهي:
ما هو مستوى تحصيل سماحة الشيخ الكوراني؟
ان الاجابة على هذا السؤال ضرورية لغرض معرفة كفاءته في قياس مدى انحراف السيد الصدر عن "المنهج الفقهي في فهم الاسلام".
وللاجابة على هذا السؤال هناك طريقان:
الاول ان يتم تقييم فقاهة سماحته في جلسة علمية يناقش فيها الشيخ مسـألة فقهية يختارها هو ويحضر النقاش من يختاره هو من العلماء.
الثاني ان يدلنا الشيخ على اسماء اساتذته والمدة التي درس عندهم.
واعتقد ان احد هذين الاجراءين ضروري لمعرفة مستوى الفقاهة التي عرف بها سماحة الشيخ مدى انحراف منهج السيد الصدر عن الخط الفقهي لأهل البيت.
اما الطريقة التي ذكرها سماحته في الاشارة الى علمه وتحصيله فقد فحصتها مليا فلم افهم منها شيئا وارجو ان يعينني على فهمها. فقد ذكر سماحته ان المرحوم العلامة شرف الدين (قدس سره) كان يصطاف في قريتهم في الجنوب، وذكر ايضا انه كان يشاهد الشيخ الأميني (قدس سره) في مكتبة امير المؤمنين (ع) في النجف عندما كان يؤلف كتاب الغدير. والذي افهمه ان مشاهدة العالم عند اصطيافه او النظر اليه عند تاليفه كتابا لا يورث علما ولا يعطي فقها، وان كان النظر الى وجه العالم عبادة في حد ذاته. وقد شاهدت انا الكثير من العلماء وجميع المراجع الكبار في نصف القرن الاخير في النجف الأشرف وقم فهل اصبحت عالما؟
نعم ذكر الشيخ ان السيد شرف الدين عين له استاذاً عندما كان الشيخ فتىً يافعاً. والانصاف العلمي يقتضي فحص هذه المقولة وتوثيقها تاريخيا ورجاليا, كما يقتضي معرفة طول الفترة التي درس فيها وماذا درس والى اين وصل. وقد يستطيع العلماء اذا قرأوا كتابات الشيخ ان يعرفوا المرحلة التي وصل اليها.
وملاحظة منهجية اخرى تتعلق بعلم الحديث. فالشيخ يفتح كتب الحديث ويستخرج منها الروايات – ولا اتهمه بإنتقاء الروايات – فيستنبط منها ويبني عليها آراءاً ويؤسس فكراً ويستخرج مقاييس ويتخذ مواقف ... والسؤال الذي يدور في الذهن:
هل يقوم سماحة الشيخ – قبل الاستنباط من الروايات – بدراستها على ضوء علم الحديث فيدقق في السند مثلا ويفحص حال الرواة؟
واذا كان يفعل ذلك – ولعله يفعل – فهل هو من علماء الحديث؟
واذا كان كذلك فمتى درس علم الرجال؟ وعلى يد من؟
وحول تطور وعي الشيخ يذكر سماحته انه بدأ مقلدا ثم مر بمراحل ثم عاد مقلدا، اي انه اكمل دورة كاملة ووصل اخيرا الى نقطة البداية، ولا بأس في ذلك فالانسان حر في ان يسلك طريقا مستقيما وخطا صاعدا، او ان يسلك خطا دائريا فهذا شأنه، لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
اذا كان سماحة الشيخ قد انتهى مقلدا فما معنى انتقاده الفقهي لفقيه كعب قدمه اعلى من كثير من الرؤوس؟
واسمح لي يا سماحة الشيخ ان استفيد من توصيتكم باتباع منهج اهل البيت (ع) الذين هم عدل القرآن فأقول:
اننا تعلمنا منهما
(القرآن واهل البيت) عدم اتباع الفاسقين والخائنين، وان احد مظاهر الفسق خيانة
الامانة، فإسمح لي ان استخدم هذا المقياس الشرعي المأخوذ من القرآن ومن فقه اهل
البيت فأدعو الى قسم البراءه شخصا اتهمه بفتح الحقيبة الشخصية المغلقة للمرحوم
الشهيد السيد مهدي الحكيم التي وضعها عنده في الكويت كأمانة فقام بفتحها والاطلاع
على ما فيها من اسرار شخصية ... انا ادعوه الى قسم البراءة إذا أنكر هذه التهمة.
لكي نتعرف على نموذج عملي من فهم الاسلام طبق المنهج الفقهي لأهل البيت (ع) لا
طبق المنهج الالتقاطي