كلدان أميركا ومشكلة التعريب !!… غسان شذايا
من المؤسف حقا أن الشعور القومي والاعتزاز بالهوية الكلدانية وتراث الأجداد أصحاب الأمجاد، ظاهرة جديدة بين أبناء شعبنا الكلداني. إذ أن الاضطهاد المطرد والمذابح الوحشية التي تعرض لها شعبنا على مر العصور قد خلق حالة من الخوف والانكماش الذاتي جعلت أعدادا كبيرة من أبناء شعبنا تحاول بشتى الطرق درء الأخطار عنها، إما بمحاباة أفراد القوميات الأخرى التي نعيش بين ظهرانيها أو محاولة طمس الهوية القومية الكلدانية وتبني شعارات وممارسات القوميات الكبرى
وقد ازدادت هذه الظاهرة حدة بعد وصول التيار البعثي إلى الحكم لما يمثله من تطرف وتعصب قومي عربي يرغب ويعمل بشتى الوسائل لطمس حقوق القوميات المختلفة التي يتكون منها العراق بتعريبها تماما. أي إلغاء أي وجود لأية قومية أخرى ما عدا العربية في العراق. ومع أن الأكراد والكلدوآشوريين والتركمان قد قاوموا هذه المحاولات وبالقوة، إلا أن النجاح الأعظم لحملة التعريب البعثية كانت بين أبناء شعبنا الكلداني، فنكران الهوية القومية الكلدانية اصبح ظاهرة واضحة بين العديد من أبناء شعبنا، بل اصبح التكلم باللغة بالعربية "مودة حضارية" من قبل البعض تفضل على لغة المسيح والإنجيل الآراميتين، وقد تطاول البعض في استهتاره بالنسب القومي الكلداني وبلغة الأجداد بان دافع عن هذا الانسلاخ القومي ونكران الأصل بان اتهم العناصر القومية بالتطرف.
أما تعريفه للعناصر "الحضارية وغير المتطرفة" فهو أي كلداني يتكلم العربية، ويتزوج على وقع الأغاني العربية ويصلي بالعربية، ويوقع هويته القومية "عربي" ويعمل في المجالس العربية، ويدافع عن القضية العربية والأمة العربية!! أمثال هؤلاء ناكري الأصل اعتبروا غير متطرفين بل لطيفين وحضاريين جدا. أما من طالبهم بالحفاظ على لغة الأجداد وتراثهم وهويتهم القومية الكلدانية فهؤلاء منبوذون متطرفون!! عجيب أمرهم.. لقد كان هناك عذر يتستر وراءه هؤلاء المستعربون حينما كانوا في العراق تحت قبضة المتعصبين البعثيين العرب ولكن السؤال ما بالهم في أمريكا، بلد الحرية والديمقراطية والتعبير عن الهوية القومية، يتسابقون ويتهالكون للعمل تحت أطر المنظمات العربية خدمة لمصالحها؟ لماذا استطاع عرب ديترويت الذين تعدادهم اقل من الكلدان بناء عدة منظمات ضخمة تحصل على الملايين من الدولارات من حكومة ولاية ميشيغان بينما لم يستطع كلدانها وخلال اكثر من 70 سنة من وجودهم فيها الحصول حتى على فتات المبالغ تلك؟ بل اصبح العمل في صفوف المنظمات العربية من أمثال ما يسمى المجلس العربي_ الكلداني ( وهو اكثر عربية من الجامعة العربية نفسها) وكذالكAccess خاص عادية بل وصل الأمر أخيرا إلى الركض وراء المناصب في المجلس الاستشاري العربي، لحاكم ولاية مشيغين.
من المعروف إن المنظمتين العربيتين الأوليين تحصلان سنويا 18-20 مليون دولار تصرف على مشاريع تخدم الجالية العربية في ديترويت. أما الاتحاد الكلداني فميزانيته 150 ألف دولار سنويا!!
انه من المؤسف أن تتوارد الأخبار عن انضمام نخبة جديدة من أبناء الكلدان إلى المجلس الاستشاري العربي لحاكم ولاية ميشيغن الذي يشكل الكلدان فيه 25% من أعضائه، بينما لم يحاول أي من هؤلاء أن يطلب إلى الحاكم أن يكون له مجلسه الاستشاري الكلداني الخاص!! السؤال يطرح نفسه إذا كان هؤلاء يلهثون وراء المناصب فلماذا لا يطالبون بهذا المجلس الاستشاري الكلداني؟! وإذا كان الهدف تعميق العلاقات الأخوية مع العرب فالسؤال هو حل يعترض الاخوة العرب على وجود مجلس استشاري كلداني ولماذا ؟ هل أن تعميق العلاقة يتم من خلال التنازل عن القومية والعمل في مجالس عربية؟! لماذا هذا الاحتقار للهوية القومية الكلدانية؟ هل نحن عاجزون عن القيام بأي شئ من دون الركض وراء قيادات عرب ديترويت؟ إلى متى نسمح لهؤلاء المستعربين أن يستخدموا ويهينوا اسم الكلدان وهوية شعبنا وتضحيات شهدائه الميامين؟ لم يعد بإمكاننا السكوت على أشخاص خانوا أصلهم وتنكروا هويتهم وتبنوا مصالح شعوب وجهات أخرى بل علينا تعريتهم.
إن بناء علاقات طيبة مع العرب لن يكون على حساب هويتنا القومية الكلدانية. ها هم الأكراد يقاتلون ويقدمون الشهداء من أجل الحفاظ على هويتهم القومية ضد حملة التعريب البعثية. لقد آن الأوان لوقفة تأمل ومراجعة، إن شعوب العالم تتفاخر بتراثها وبأزيائها الشعبية وأغانيها، لماذا تطبع حفلاتنا بطابع عربي ولا يفسح المجال أمام فنانينا للغناء بلغتهم الأم الكلدانية؟ لماذا الغناء بالعربية؟ لماذا تبث إذاعة صوت الكلدان معظم ساعاتها بالعربية؟ الأعذار المستمرة من أن عملية التعريب قد نجحت وبدلا من محاربتها بإعادة تثقيف شعبنا بلغته الأم الكلدانية يتم وبشكل غير مباشر، دفع عملية التعريب اكثر واكثر بالاستمرار في استخدام العربية كلغة معظم البرامج، بل انه من المؤسف أن "كلمة اليوم" للأب عمانوئيل بوجي في إذاعة صوت الكلدان الأسبوعية تلقى في الغالب بالعربية!! مع أن الأب الجليل يقدم قداسه الديني باللغة الكلدانية ومن دون أية معارضة أو عدم فهم من حاضري قداسه الكلدان… إن لم نبدأ اليوم بإعادة إحياء لغة شعبنا الكلدانية، متى سنبدأ؟! كل يوم يمر يعمق مأساة شعبنا، وكل يوم يمر من دون وقف هذا التعريب نفقد واحدا من أبناء شعبنا، لقد آن الأوان لمحاربة موجة التعريب والانتهازيين والوصوليين الذين يستخدمون اسم الكلدان لمصالحهم الشخصية الأنانية وهم مستعربون. إن العمل مع الجالية العربية الصديقة يجب أن لا يكون أبدا على حساب هويتنا القومية ومصالح شعبنا وأبناء الكلدان في جميع مناطق وجودهم في العراق وسوريا أو في تركيا وإيران وجورجيا. لنبدأ خطوة أولى فنحن الوحيدين الذين لا نزال نتكلم لغة المسيح الآرامية، فليكن ذلك حافزا للعمل والافتخار بأجمل لغة وبأعظم هوية وتراث إنساني، هوية وتراث الكلدان أبناء الأرض المقدسة بيث نهرين.
*
نشر في العدد الحادي عشر – تموز 2001- من مجلة (الكلمة) التي تصدر في سان دييغو – الولايات المتحدة الأمريكية