قوميتنا والتسمية الصحيحة .... ما بين الحيرة والواقع !؟ *
القس عمانوئيل يوخنا – ألمـانيـا
رمسن رشو - شيكاغو
في الوقت الذي يتنامى الوعي القومي لدى الكثير من أبناء أمتنا بمختلف طوائفها وشرائحها وتسمياتها, وتتعمق القناعة بانتماء الجميع منا إلى أمة واحدة, نرى في نفس الوقت تزايد حدة الخلاف حول التسمية المناسبة لامتنا مصاحبة في بعض الأحيان اشتداد الحديث الجدلي والصوت التعنتي للبعض منا في تشبثهم وتزمتهم بتسمية دون الأخرى. فبعيدا عن الدخول في الدهاليز التاريخية العميقة والمتشعبة في إيجاد واستنباط الرأي الأصح أو الأنسب لتسمية أنفسنا, علينا أن نترك التاريخ وشانه لان جره وحشره في إيجاد حل لعقدتنا لن يعمل إلا في تعميق وترسيخ جذور المشكلة. إن تطلعنا نحو الأمام وسعينا المخلص للتوصل إلى إيجاد حل مقبول لدى الجميع نكون قد أفلحنا كثيرا في ترميم الشقة بين آرائنا وممارستنا في شتى المجالات وضمنا مستقبلا اكثر تفاؤلا ليس لأجيالنا المقبلة فحسب بل لوجودنا السياسي كأمة. إن أمر استمرار وجودنا السياسي وخاصة في المهجر اصبح ملحقا بأكثر من علامة استفهام, والمسؤولية أو العتب في ذلك لا يمكن إلقاؤها على عاتق أحد إلا سوانا. إن الخلاف القائم الآن في مختلف صوره وأدواته بين شرائح معينة من مجتمعنا وخاصة بين دعاة التسمية الآشورية ودعاة الكلدانية والسريانية والآرامية اصبح مملا ومتشنجا في معظم الأحيان وخاصة جانبه المتصف بالنزعة التزمتية, ولم يعد يجلب لنا سوى اليأس والكراهية. إن الأسوأ في أمر هذا النزاع انه لا يستند على أية فكرة أو فلسفة متباينة في الجوهر إلا في شكلية المظهر الخارجي لكيان الأمة.
منذ سقوط الإمبراطوريتين العظيمتين الآشورية والكلدانية قبل اكثر من 25 قرنا والتي أسسهما أسلافنا الاماجد, ونحن تحت رحمة سياط الآخرين. فتارة أطلق علينا اسم الآراميين وأخرى الكلدان ثم النساطرة والسريان والنصارى, وهكذا تعاقبت الأسماء على شاكلتها تبعا لمتطلبات الوضع ورضاء ظالمينا, وفي كل عصر بتر الأعداء جزءا من جسد امتنا تحت وطأة المذابح المنظمة أو الانصهار الجبري في بوتقة الآخرين حتى وصل الأمر بنا ونحن في اضعف الحالات إلى مرحلة الانقسامات الذاتية خاصة بعد فقداننا لأوطاننا الأصلية. فالتاريخ لم يرحمنا ولا الزمن, وها نحن الآن لا نرحم بأنفسنا!.. إن محاولات البعض بفرض الرأي على الآخرين والتقليل من شانهم أيّ كان السبب إنما صبت غاياتهم سواء بقصد أو بغيره في مستنقع الغدر بكمالية وكرامة الأمة. لقد بتر الأعداء في الماضي أعضاء حيوية من جسد الأمة, ومن المبكي أن يحاول البعض منا الآن استئصال اكثر من نصف ما تبقى من هذا الجسد المتعب!.. يا ترى هل سيستمتع هؤلاء الأفراد من أبناء جلدتنا أن يروا أمتنا وهي مسلخة من كل شيء إلا من هيكلها العظمي؟.. إن وضعنا الآن يتطلب منا جميعا أن نعرف امتنا بمادية جوفها وليس بمظهرها أو اسمها, فلتكن ثيابنا ما تكن ما دام جسدنا يضم في أحشائه كافة أعضائه وهي في وضع سليم. إن انقساماتنا المذهبية والدينية أمر طبيعي وعادي كما هو الأمر مع جميع أمم الأرض. إن صلب حديثنا هنا ليس ديانتنا بل قوميتنا. فان اتفقنا جميعا وهذه حقيقة لا غبار عليها بأننا جميعا انحدرنا من سلف واحد ولنا تراث واحد وتاريخ واحد ولغة واحدة والاهم مصير واحد, فما هو ولما خلافنا؟.. إن خلاف المذاهب قد ولى ولم يعد لنا شيئا ولا مبررا نختلف عليه عدا موضوع مقالتنا هنا والذي هو ولحسن الحظ خلاف شكلي وان اتخذ شكل نزاع فانه نزاع البعض وليس الكل. وبما أن لكل قاعدة شواذ, فنحن أيضا لم نشذ عن هذه القاعدة, ولكن المخاوف تكمن في أن نشذ عن شذوذ القاعدة المذكورة حينئذ تكون الأماني قد انقلبت إلى بلاء.
تعددت تسمياتنا عبر التاريخ ولكن الأهم إن وجودنا كأمة بقي واحدا. إن الخلاف الحالي بين الجوانب المتعددة يتمركز أساسا على قطبين أو بالأحرى تسميتين: الكلدانية والآشورية. أيتهما الأصح أو الأصلح؟..الجواب على هذا السؤال لا يأتي جزما من الاجتهادات والاستنتاجات التاريخية للبعض حتى إن كانت تلك البعض من الباحثين والمختصين في علــم الأجناس البشرية وذلك لسببين وهما: الأول لابد أن يكون لكل استنتاج بتوصية تسمية على الأخرى استنتاج مناقض, وعلى هذا المنوال تتكدس النظريات المتضاربة على أخشاب الرفوف, وتعاد الكرة من حيث بدأنا لنجد أنفسنا سائرين في دائرة مغلـقة و الثاني فهو وجود القناعة المتوارثة لجانبي الخلاف حول التسمية التي يرتئيها فطرا بغض النظر عما سيقوله التاريخ أو ما يستنبطه علم الأجناس.
هذا هو واقعنا وحقيقتنا أما أين هي الحقيقة المطلقة فإنها متوارية الآن خلف الأفق وربما إلى الأبد. مع هذا هناك بعض الحقائق الحديثة العهد نسبيا لا يمكننا تغاضيها منها أن التسمية الآشورية احتلت الصدارة, خاصة بعد الاكتشافات الأثرية للحضارة الآشورية في أواسط القرن التاسع عشر وبروز الآشورية على أثرها بعد سباتها لقرون طويلة كتسمية سياسية لقسم كبير من امتنا شملت في أحيان كثيرة اغلبه. ومما ساعد التسمية الآشورية على بروزها على الساحة هو اقترانها بأبناء امتنا الذين غامروا بوجودهم السياسي في معترك الساحات الإقليمية والدولية وبالتالي تدويل قضيتهم. واستمرت هذه التسمية سائدة ومقبولة إلى حد ما لدى سائر أبناء امتنا خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي إلا أن هذه التسمية تراجعت أمام التسمية السريانية بعد تدخل النظام العراقي في تلك المسألة بهدف تجريدنا من الصبغة السياسية التي احتوتها التسمية الآشورية, بالإضافة إلى أن المؤسسات المختلفة كالدينية والسياسية والاجتماعية وغيرها التابعة لأبناء امتنا من دعاة التسمية الآشورية أقدمت على تبديل التسمية الآثورية بالآشورية الأمر الذي أدى بالجزء الآخر من امتنا وفي مقدمتهم الكلدان إلى رفض التسمية الآشورية حالها حال الاثورية التي يقرونها عادة بالنسطورية, والأخيرة وكما عرفها الجميع كانت معروفة لدى المعتقد الكاثوليكي ولمدة 15 قرنا تقريبا بالهرطقة الدينية. إن الآثورية والآشورية رغم كونهما تحملان نفس المعنى والدلالة ولهما ترجمة واحدة باللغة الإنكليزية, نرى أن وقع كل منهما يختلف بشدة لدى نسبة كبيرة من أبناء امتنا.
نعود ثانية إلى جوهر حديثنا وهو هل الأنسب الآشورية أم الكلدانية؟.. قبل الإجابة على هذا السؤال لابد من الإشارة إلى أن هناك قانونين يمكن التعامل بهما، قانون الأغلبية المجردة وقانون المنطق،وللإجابة على سؤالنا وفق القانون الأول فانه لابد من تبني التسمية الكلدانية لسبب بسيط فإنها الأغلبية ولها من الإمكانيات الأكثر .
أما إن استندنا على القانون الثاني أي منطق العقل في مسألة اختيار الاسم, وهذا الأجدر بنا لأننا شعب متمدن ونعيش في عالم متحضر, فلابد من الوصول إلى القناعة الكاملة وليس المفروضة على أحد باختيار التسمية النهائية. إننا ونحن نعيش في عصر الحضارات المتطورة علينا أن نفكر ونتصرف ونتحدث بالواقعية والمنطق. فبعيدا عن المواقف الهزلية وهدر الطاقات الفكرية والعقلية في الانشغال في مناقشات تشنجية لا غلبة فيها لأحد, يستوجب منا التسليم بان يكون التعقل هو القاسم المشترك والحاكم الأعظم لحل خلافنا بأسلوب اخوي وودي. على ضوء ما سبق ذكره أرى أن الإجابة على سؤالنا المذكور ووفق القانون الثاني, يمر من باب أحد الخيارات الثلاثة المذكورة أدناه وحسب أولويتها, علما إنني شخصيا من دعاة الخيار الأول.
الخيار الأول: إضفاء الصفة الشمولية لكل تسمية من التسميات الثلاثة ( الآشورية, الكلدانية, السريانية), أي انه يخير كل فرد من أفراد أمتنا أن يختار إحدى التسميات الثلاثة ليصف نفسه ولغته على أن يؤمن بان الثلاثة تتساوى تماما في كل شيء وترمز كل واحدة منها إلى الأمة كلها بجميع مذاهبها وطوائفها وقبائلها المختلفة. وبمعنى آخر إن الآشورية تتساوى وتحوي الكلدانية والسريانية, وكذلك الحال مع الكلدانية إذ إنها تساوي وتحوي في نفس الوقت السريانية والآشورية وهكذا بالنسبة للسريانية. على هذا الأساس لا يمكننا إطلاقا هنا استعمال اثنتين من التسميات أو ثلاثتها سوية وفي آن واحد, سواء كان بفصلها عن البعض بالفواصل أو بواو المعية إلى غيرها من الرموز, للإشارة إلى الأمة أو اللغة وذلك للحفاظ على الشمولية الكاملة لكل تسمية, وبخلافه يعطى انطباع آخر لكل تسمية كالجزئية أو التكميلية تبعا للصيغة المستعملة فيها تلك التسميات.
ويمكن للوضع إن يتغير في المستقبل إن أرادت الأغلبية الساحقة من شعبنا في يوما ما أن تختار إحدى التسميات الثلاثة لتقرها كاسم شرعي لامتنا. ومن المهم جدا هنا أن يتم تحرير التسميات القومية المذكورة من ألوانها الدينية, وذلك بان تقوم كنائسنا المختلفة في المساهمة في الحفاظ على المعاني الشمولية للتسميات من خــلال إسقاط المفردات الآشـوريــة والكــلدانية والســـريانية مــن أسمـائـها تجــنبا مــن إضــفاء
الصبغة المذهبية أو الدينية لتلك التسميات وفي نفس الوقت إضفاء العمومية الدينية لتلك الكنائس. وعلى مؤسساتنا العلمانية المختلفة أن تراعى بحذر كيفية استعمال أية تسمية من اجل صيانة قدسيتها ورفعتها.
الخيار الثاني: أن يتم الاتفاق على تبني تسمية أخرى وواحدة, وعلى سبيل المثال لا الحصر الكلدو آشورية أو الآكدية أو الميسوبوتامية ( بيت نهرين), مع المحافظة على التسميات الأخرى للدلالة على الشرائح الرئيسية لقوميتنا. وهنا تكمن مصاعب متداخلة ومعقدة منها خلق تسمية رابعة, صعوبة نطق وتصريف الأسماء المركبة وكون الأسماء المركبة وخاصة في الكلدو آشورية دالة على اتحاد كيانين مستقلين وهذا يتناقض كليا مع خصوصيتنا القومية.
الخيار الثالث: وهو الأهون وربما الأكثر رفضا من قبل اغلب أبناء امتنا, ويتلخص الخيار بان ندع المسيرة تسير كما هي وكما تشتهيها الرياح وننتظر لمفاجئات المستقبل. في هذه الحالة ربما حالفنا الحظ هذه المرة (يبدو أن الحظ هي الكلمة الوحيدة التي أسقطها القدر من قاموس تاريخنا الطويل) لنصل إلى اتفاق تلقائي, وعليه فنحن بانتظار ذلك الزمن إن لم تبتلعنا الحيتان الكبيرة.
مما تقدم ذكره كانت مجرد آراء وليست اقتراحات, لان الأخيرة لابد أن تقدم إلى مجلس قومي شمولي للتصويت عليها من اجل إقرار الأفضل. وبما أننا لا نملك مثل هذا المجلس في الواقع ولا حتى في المستقبل القريب, الأمر الذي دعاني أن اطرح موضوعا حيويا كهذا للمناقشة عبر صفحات هذه الجريدة الغراء لعلنا نجد دواء لدائنا.
* منشور في جريدة (قويامن) العدد 48 آذار 2002، الصفحة الرابعة