أين نحن من العروبة ؟!…
من غير المعقول والمنطق ، لا بل من غير الجائز لأحد أن يقوم بتزوير التاريخ تماشيا لغاياته الظرفية وبالتالي العمل من أجل فرض آرائه وأفكاره ومبادئه وحتى أحلامه على القوميات الصغيرة .
إن القوة في هذا الزمن ليست في عرض العضلات أو في تطبيق شريعة الغاب أو حتى في زيادة العـدد ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، لكن ما يجري في بعض الأنظمة العربية البوليسية أو حتى في أذهان بعض الكتاب أو المفكرين العرب من مغالطات تاريخية أو تطبيق شريعة الغاب ، فذاك ليس عدلا ولن يدوم إلى ما شاء الله ، وإنما في مراعاة شــعور الغير وإفساح المجال في حرية إبداء الرأي ، بغض النظر عما إذا كان هذا الرأي مخالفا لتطلعات بعض الحكام في المنطقة الذين لا يؤمنون إلا بلغة القمع حوارا وبمنطق الحق مع القوي دائما .
وفي هذا الإطار بالذات ، وإن اعتقد البعض بخروجنا عن الموضوع الذي نحن بصدده ( أي العروبة ) ، لا بد من التذكير فقط بالأعمال الإرهابية التي حصلت في الحادي عشر من أيلول الماضي في واشنطن ونيويورك ، والنتائج السلبية التي حصلت نتيجة ذلك والأضرار الجسيمة التي وقعت على دورة الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية … في كل العالم ، فلا يكفي أن نستنكر أو نشجب ما حصل وإنما التصدي لتلك المحاولات الدنيئة التي تهدد البشــرية جمعاء .
وبالعودة إلى العروبة التي تبدو في كثير من الأحيان تأتي مفروضة فرضا على من هم ليسوا عربا وإنما شاءت الأقدار أن تعيش بعض الشعوب في تلك المنطقة قبل العرب والعروبة ، ونتيجة للسياسات المتعاقبة التي لسنا في وارد ذكرها الآن ، أدت إلى جعل تلك الشعوب أقليـة في مواطنـهم الأصليـة ، وبالرغم من الكثـير من المحاولات اليائسة التي مورست بحق تلك الشعوب ، حيث سياسات التتريك فالتعريب وحتى التكريد في بعض الأحيان ، صمدت تلك القوميات الصغيرة ولم تستطع أية جهة التأثر فيها على مر آلاف السنين ، والسبب في ذلك يعود إلى تمسكها القوي بأصالتها وقوميتها ودينها رغم كل الصعوبات .
وأما اليوم ، فإننا نرى ونسمع ونقرأ في بعض وسائل الإعلام العربية عبارة : ( العرب والمسلمون ) : وكأننا بذلك في العصر الحجري أو ما قبله … ليس لشيء وإنما للمغالطات التاريخية التي يقع فيها هذا البعض ، فالغريب العجيب لدى هؤلاء المفكرين أو الكتاب أو حتى الحكام ، أن يقوموا بتصنيف الشعوب على مزاجهم ضاربين بعرض الحائط كل التاريخ البشري ، هذا إذا كان لهم من قراءة أخرى للتاريخ ولا سيما التاريخ الآشوري الذي لا يقل عمره عن الستة آلاف سنة ، فمن وكّـل هؤلاء ( فلاسفة عصرهم ) أن يتكلموا باسم غيرهم ؟ ثم من قال لهم بأن الشعب الآشوري في الدول العربية هو من المسيحيين العرب .. واليوم في شمال العراق من المسيحيين الأكراد ؟؟!!..
إن الانتماء شعور ، والشعور لا يأتي فرضا وإنما ينبع من معاناة وآلام الشعوب ، فهو ذلك الرابط التاريخي عبر الأجيال وعلى مر العصور ، إنه الالتزام بالعقيدة والمبدأ ، إنه التاريخ الذي يكتب بالدم والدموع ، إنه امتداد للمجازر والقتل والتدمير الذي تعرضنا له على مر العصور وذلك دفاعا عن استمرارية وجودنا الحر ، وأما المحاولات المكشوفة هذه فلن يكتب لها النجاح ، فما يفرض فرضا ، سوف يزول بمجرد زوال أدواته أو غياب مؤثراته .
إن الشعب الآشوري بكل طوائفه ، يرفض أن ينعت بالعربي ، كونه من أحفاد الإمبراطورية الآشورية ، وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال موقفا معاديا للعرب والعروبة ، فاحترامنا للقومية العربية ـ بغض النظر عن تصرفات أو ممارسات بعض الحكام السيئة ـ سيبقى في محله ، وما علينا إلا قول الحقيقة في كل وقت وما السكوت عنها إلا الرضى بها من دون إدراك السلبيات التي ستنجم عنها .
غســان يونان
6.10.2001